الكتابة عن الاغتيال السياسي في سوريا إشكالية تفرض توخِّي الدقة في استخدام المصطلح، وفقًا للمراحل الزمنية التي مر بها تاريخ سوريا. فمنذ الحكومة السورية الأولى تحت المندوبية الفرنسية في ٦ أيلول/سبتمبر ١٩٢٠، وُصولًا إلى الاستقلال، ومُرورًا بفترتَي الوحدة مع مصر ووصول حزب البعث إلى السلطة، تَغيَّر التلقّي المجتمعي للاغتيالات السياسية؛ إذ إنّ كلًّا من هذه المراحل حملت طابعًا ووعيًا سياسيًّا مختلفًا، فيما يخصّ: أولًا- قيمة الفرد بالمعنى السياسي والقانوني. ثانيًا- أهمية الدولة بوصفها سلطة قانون تحرص على الأمن العام. ثالثًا- التفاعل المجتمعي والسياسي تجاه الاغتيال بوصفه قتلًا لِفَرد، وهو بمنزلة حاملٍ قِيميّ، وله مواقف تؤثر في فكر جماعة ما. من هنا، تَحمل هذه الورقة تساؤلًا أساسيًّا، ألا وهو: "كيف يتحوَّل الاغتيال السياسي من جريمة قتل خارج عن القانون، وخارج عن إطار عمل الدولة بشكل مبدئي، إلى نهج تعتمده أجهزة هذه الأخيرة، لتمارِس به سلطتها؟"
مع بروز الاغتيال باكرًا في الحياة السياسية في تاريخ سوريا المعاصر، فإنه بات صبغةَ العمل السياسي في الستينيات. فالأوضاع السياسية كانت مستقرة رغم التحولات التي تراكمت منذ العشرينيات، وكانت مؤسسات الدولة إلى حد بعيد محايدة أمام العنف السياسي، سواءٌ أخذ شكل تمردات مدنية، أو نزاعات بين المدنيين، أو اغتيالات بدأت منذ عهد الحكومات المستقلة إبَّان الحكم الفرنسي. يضاف إلى رصيد تلك المرحلة حريةٌ كبيرة في مجال الصحافة والتعبير، وتفاعُل المجتمع بشكل كبير إزاء أي اغتيال. بعدها تحوّلت السلطة/الدولة إلى آلة قتل، زال فيها حياد السلطات الأمنية والقضائية تجاه هذه الجرائم، وباتت المؤسسات الأمنية شريكة فيها.
ومع كل حدث سياسي سوري مستجد، برز الاغتيال بصفته إحدى أدوات العراك السياسي. ورغم اختلاف المضامين المستهدفة منه، فإنَّ أبعادًا جوهرية يجب ملاحظتها في ظلِّ كل عملية اغتيال شهدها التاريخ السوري. فتاريخ الاغتيال قديم، وما من مجتمع يخلو من ظاهرة عنف تنمو معه، وتنتهي وتتجدد فيه، حيث تَدخُل الجماعات السياسية أو الأفراد في صراع يلعب فيه العنف دورًا أساسيًّا في إعادة صياغة النظم السياسية. بمعنى آخر، يرتبط العنف -في كافة أشكاله- بوجود الدولة، التي يمكن تعريفها، في إطار موضوعنا، على اعتبار أنها: "السلطة التي تحتكر العنف" (وفقًا لماكس فيبر)، وأنها في هذا الحيِّز الوحيدةُ التي تتَّسم بالحياد (وفقًا لبورديو)، الذي يضفي عليها شرعيتها، وتتَّسم بإجماع المواطنين على اعتبار أنها مُدرَك الأمان.
دون الدخول في تاريخ تشكيل فكرة الدولة لدى السوريين، نكتفي في موضوعنا بذكر حزمة قيم جرى تبنِّيها في ضمن فكرة بناء الدولة: كالقومية، والوحدة، والوطنية، والسيادة. وهي قيَم تضخمت على حساب الدولة بالمعنى المؤسساتي والحقوقي، فأضحت على مر العقود ذريعة لصهر مفهوم الدولة على اعتبار أنها آلة لإنتاج العنف.
خلفيّةاغتيل عبد الرحمن الشهبندر في السادس من تموز/يوليو عام ١٩٤٠، في عيادته الواقعة في الطابق الأول من بناية الشنواني، مقابل مستشفى الفرنسيسكان في منطقة الشعلان في دمشق، والقريبة من شارع المجلس النيابي. وقد تمكّنت قوات الدرك من القبض على المنفذين في غضون يومين. كان الشهبندر قد عاد إلى سوريا قبل اغتياله بثلاث سنين، على إثر قرار عفو صدر عن قادة الحركة الوطنيّة الذين شكّلوا حكومة بالتعاون مع حكومة الانتداب عام ١٩٣٦[١]. كان العفو عن الشهبندر المنفي في مصر من أوائل قرارات الحكومة السورية، حيث إن حكومة الانتداب الفرنسية سبق أن أصدرت بحقِّه حكمًا بالإعدام إبان ثورة ١٩٢٥، باعتباره أكثر قادتها شهرة.
أسَّس الشهبندر حزب الشعب في نفس العام الذي اندلعت فيه الثورة. ووَفْقًا لِهاشم عثمان، حضر إشهارَ الحزب حوالي الألفي شخص، وكان أحد أكثر الأحزاب شعبية لدى السوريين. أما خطيبنا السياسي (الشهبندر) فلم يثبِّطه النفي عن ممارسة نشاطه السياسي، ولم يتوقّف عن نشر مقالاته، ولم يقطع صِلاتِه ببلده الأم. لقد حاز شهرة عربية تجاوزت سوريا، وهاجم كلَّ المتعاونين مع حكومة الانتداب، خاصة أعضاءَ الكتلة الوطنية. وعقب إصدار العفو عنه من قِبل حكومة ١٩٣٦، هاجم الشهبندر الموقِّعين على الاتفاقيات مع فرنسا، مطالبًا برفع شعار الاستقلال عن سلطة الانتداب، ورافضًا قرارات الحكومة السورية، التي خضعت لإملاءات سلطة الانتداب بفصل لواء الإسكندرونة السوري.
كان البعد الاجتماعي للشهبندر يكبر يومًا بعد يوم. ورغم نفيه الطويل خارج سوريا، فإنه حافظ على وجود رمزي ومعنوي في ضمير المجتمع السوري. أما خلافاته مع الكتلة الوطنية، وتبادل الاتهامات عبر الصحف والخطب السياسية، فقد استمرت رغم عودتهِ إلى وطنه وسط استقبالٍ جماهيريٍّ كبيرٍ جدًّا. لم يُسمح له بإعادة إحياء حزب الشعب، ورفَض التماسَه آنذاك أحدُ أبرز ممثلي الكتلة الوطنية "سعد الله الجابري"، الذي كان وزير الداخلية حينها. كان صراعه مع الكتلة الوطنية كالصراع بين قوة تُسيطر على السلطة وفردٍ لا يملك سوى زعامته، أو قدرته الخطابية، أو دعمِ تجمعات شعبية غير منظَّمة. أما اغتياله فكان صدمة كبيرة للشارع السوري، الذي انقسم سياسيًّا بين داعمِي حكومة ١٩٣٦ -ومِن ضمنهم تكتُّل الكتلة الوطنية- وتجمُّعٍ كبير يقف خلف عبد الرحمن الشهبندر وفكره السياسي، تحت مظلة هيئات شعبية متعددة، بينها الهيئة الشعبية التي كان يسيطر عليها عن بُعد.
يحيلنا اغتيال الشهبندر إلى مرحلة نشوء الدولة السورية في ظل الانتداب الفرنسي، إضافة إلى أمرين هامّين في السياق السوري، أوَّلهُما: القضاء وتأثُّر المجتمع بالمسار السياسي القضائي في تلك الفترة. والثاني: الانعكاس المجتمعي لاغتياله على الحياة السياسية في سوريا.
شُكلت لِقضية اغتيال الشهبندر محكمة خاصة، بناءً على توجيهات المندوب السامي. فتَسلَّم الأوراقَ والمستندات قاضي التحقيق الذي كان يُعرَف بـ"المستنطِق"، وكان آنذاك المحققَ السوري "فلاديمير السبع". إلا أنه بعد اقترابه من تحديد هوية الجناة، أعفاه مديرة العدلية من مهمته بناءً على قرارات المفوّض السامي، وعُيِّن مكانه مستنطِق فرنسي يعاونه أربعةُ أعضاء: فرنسيَّان وسوريَّان.
عقَدَت المحكمة جلسات امتدت حوالي العام، شهدت فيها تغيرًا في الشهادات التي أدلى بها مرتكبو الجُرم. ويُشاع أن سبب التغيُّرات في مسار القضاء يعود إلى محاولة حكومة الانتداب التحكُّم في سير التحقيقات؛ إذ رأت أنَّ اتِّهام أعضاء الكتلة الوطنية يؤدي إلى فراغ الساحة السياسية، ونقل الصراع السياسي إلى مرحلة مختلفة قد يكون العنف جزءًا منها.
أدّى تغيّر اعترافات المتهمين، والضغط الشعبي على حكومة الانتداب لإحقاق العدالة والكشف عن مرتكبي الجرم، إلى تحويل المحاكمة إلى شأنٍ سياسيٍّ سوري يومي. وقد أدلى المتهم الرئيسي أحمد عصاصة (مُطلق النار على رأس الشهبندر)، باعتراف مفاده أن جميل مردم بك -ومِن خلفه قادةُ الكتلة الوطنية الآخرون- هم من دفعوه إلى ارتكاب الجريمة مقابل ٤٠٠ ليرة ذهبية. فصدرت مذكِّرة استدعاء بحق ثمانين شخصية سياسية سورية، أبرزها قادة الكتلة الوطنية؛ ما أفرغ الساحة السياسية السورية من أعلامها والعاملين فيها. ويشير هاشم عثمان إلى وجود أيادٍ واضحة لأعضاء الكتلة في دفع المتهمين إلى اغتيال الشهبندر، ويميل أكرم الحوراني إلى هذا التأويل في مذكراته أيضًا.
لكن تغيُّر الاعترافات وسياق المحكمة لم يَقطعا بتورُّط أعضاء الكتلة. فالمتَّهمون ينتمون إلى الحلقة الدينية (جماعة الإحياء الديني)، التي يترأسها الشيخ مكّي الكتاني، وهذا ما جعل مسار التحقيق وجلسات المحكمة تتَّخذ أبعادًا إضافية. أما الهجوم المتواتر والمتبادل عبر الصحف والخطب السياسية بين أعضاء الكتلة الوطنية والشهبندر، فلم يكن ينذر باستخدام العنف، عِلمًا أن الكتلة قد استهدفت سمعة الشهبندر في أوساط العامة، آخذةً عليه دعْمَه لِلعلمانية ورفْضَه لأي شكل ديني في الحياة السياسية والتشريعية، متَّهِمةً إياه بتحريض المرأة على التحرر، ودعوته لها إلى خلع الحجاب على غرار المرأة الأوروبية[٢]. لقد قاد منطقُ الصراع واستغلالُ القضية من قِبل حكومة الانتداب المجتمعَ السوري، إلى ما يشبه الحرب الأهلية بين مناصري الكتلة والمدافعين عن الشهبندر. فهرب أعضاء الكتلة الوطنية، في الفترة التي صدرت فيها أسماء المطلوبين للتحقيق بحجة تورطهم في الجرمية، وانتظروا ما يقارب العام قبل حصولهم على البراءة.
مرَّ القضاءُ آنذاك بمرحلتين مميزتين، أُولاهُما مسارعة حكومة المديرين المعيَّنة، بعد استقالة حكومة هاشم الأتاسي عام ١٩٣٧، إلى التحكم في مجريات التحقيق، ثم المرحلة الفرنسية الصِّرفة التي أعادت تشكيل هيئات المحكمة، وركزت على إجراء تحقيقات جديدة. ومع توافُر اعترافات تؤدّي إلى تورط أعضاء من الكتلة الوطنية، استجوَب القاضي الفرنسيُّ الكتانيَّ (شيخ الطريقة الصوفية)، التي اندرج تحت تعاليمها المتَّهمون. فأوضح الشيخ للقاضي تحمُّله المسؤولية غير المباشرة عن الاغتيال الذي نفَّذه القاتل، مشيرًا إلى أن أحمد عصاصة قد زاره قبل تنفيذ الجريمة وسأله: "ما جزاء الخائن في الإسلام؟”، فأجابه الكتاني دون تردد: "القتل"، وهذه الفتوى قد تكون اتُّخِذَت غطاءً شرعيًّا لتصفية الشهبندر. ويُروَى أنّ القتلة عندما شاهدوا الشيخ الكتاني في قاعة المحكمة، نهضوا من أماكنهم باحترام بالغ وارتباك شديد، فتوجَّه إليهم بالقول: إنه لم يُفتِ قط باغتيال الشهبندر، بل تحدَّث عن الخيانة بالعموم، دون معرفته قصْدَ عصاصة بسؤاله. حينها اتَّخذ القاضي قرار الحكم بالإعدام على المتهمين، وتبرئة أعضاء الكتلة الوطنية.
لقد تَخلَّل مرحلتي التحقيق والحُكم تدخّلاتٌ عربية، لكن التدخلات الشعبية كانت أهم وأكبر، إذ أجبرَت المظاهراتُ والمطالبات الجماهيرية الفرنسيين على وقف التحكُّم في مجريات التحقيق أو القضاء. ويَعتبر هاشم عثمان في كتابه "المحاكمات السياسية في سوريا"، أن اغتيال الشهبندر هو أكبر قضية شهدتها سوريا، سواءٌ من حيث عدد المحامين المشاركين في الدفاع عن أعضاء الكتلة أو الجلبة التي أثيرت حولها، رغم محاولة فرنسا المماطلة والتحكم في مسارات التحقيق، إلا أن الضغط الشعبي عجَّل إصدار الحكم.
وعلى الرغم من التدخل الفرنسي ومحاولته شق الصف السوري، فإنّ التفاعل الاجتماعي والسياسي مع القضية، وإبرازها في واجهة اليوميات السورية، والحث على المصالحة، والانخراط في العمل السياسي - كل ذلك أنهى أحد أكبر الصراعات التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة لحكم الانتداب. وقد حاول الفرنسيون تحويل ما كان حدثًا عنفيًّا إلى منشأ للصراع، بإجبار المتهمين على الاعتراف بتبعيتهم للكتلة السياسية، التي وافقت على معاهدة الاستقلال الصُّورية عام ١٩٣٦، والتي لم تُخرج فرنسا من سوريا. إلا أن السوريين استطاعوا أمام قاضٍ فرنسي تحقيق العدالة، ورفضوا الانقسام المؤدي دون شك إلى حرب أهلية، أو حتى الارتهان لإرادة الانتداب الفرنسية. والأهم رفضُهم انتهاك القانون، وهو أمر كان ممكنًا في ظل ظروف مجتمع ناشئ يدافع عن العدالة. ولعلَّ ما ساعد على تحقيق العدالة وإعدام المتهمين هو دعم القوى السورية، والبُعد العام للقوى السياسية. وعلى الرغم من تضييق سلطة الانتداب، استطاعت الصحافة تغطية الحدث، وحضور جلسات المحاكمة، حتى إنَّ خصومَ الشهبندر أنفسَهم رفضوا الاغتيال وأدانوه. وقد تلت تبرئةَ قادة الكتلة الوطنية مصالحةٌ وطنية، أشار إليها في مذكراته نصوح بابيل، رئيس تحرير جريدة الأيام، وأقرب المقرَّبين إلى الشهبندر.
كان الاغتيال حدثًا مفاجئًا، نبَّه أطياف المجتمع السياسي المتنوِّع إلى خطورة الأفكار التي تنتشر بين العامّة، وإلى ضرورة الانضباط في العمل السياسي، وإدراك أثر الخطابات السياسية في دفع العامة إلى ارتكاب العنف، والأهمُّ تنبيههم إلى ضرورة الدفاع عن مؤسسات الدولة، لا سيما القضاء.
في ضمن آلية التجديد الاجتماعي للمجتمع السوري الناشئ في النصف الأول من القرن العشرين، لم تخْلُ أية مرحلة من العنف؛ إنما في مرحلة ما قبل الناصرية وحكم البعث، كان للاغتيال بُعد أساسي في: الرقابة القضائية، والرقابة المجتمعية، والصُّحف، والراديو، وأيضًا فيما يمكن تسميته الإيثار الاجتماعي. فجنازة الشهبندر مثلًا تَحمل دلالة قُصويَّة للموت، أيِ الموت الحديث، بالمعنى الذي يكون فيه للمتوَفَّى بُعدٌ إنسانيٌّ، واستقطابٌ جماهيريٌ، ودلالة اجتماعية وسياسية.
رغم المحاولات الحثيثة التي بُذلَت في تلك المرحلة داخل إطار الدولة لتجسيد "الإمكانية الاجتماعية" (بمفهوم ماكس فيبر)، ولتحصين الموت، وحصر الخلافات السياسية في مدار سياسي تواصلي، وبقاء القضاء تحت رقابة الفضاء العام - فقد شهدت سوريا بعد الاستقلال اغتيالًا كان ذا دلالات على تيار عميق مُغايِر لهذه الجهود، ألا وهو اغتيال آمِر سلاح الطيران (العقيد محمد ناصر) في ٣١ تموز/يوليو ١٩٥٠.
وُلد محمد ناصر في قرية عين شقاق التابعة لمنطقة جبلة سنة ١٩١٤. انضم إلى الجيش السوري، وانخرط في الكلية الحربية عام ١٩٣٢ بعد أن درس الحقوق في الجامعة السورية، وكان قد درس أيضًا في الجامعة الأميركية في بيروت. حفلت مسيرته بمحطات هامة جدًّا، بدأت بانشقاقه عن جيش الشرق التابع لإدارة الانتداب الفرنسي، إبان الفترة التي اعتدى فيها الجيش الفرنسي على دمشق، ليخمد ثورتها ضد سلطة الانتداب. أيضًا شارك في تأسيس الجيش السوري، وتَطوَّع في جيش الإنقاذ العربي في فلسطين عام ١٩٤٨، وكان ركنًا أساسيًّا في الانقلاب على صديقه السابق حسني الزعيم، وذلك على إثر تقرُّب هذا الأخير إلى الدولة الصهيونية الناشئة، ومحاولته عقد سلام معها. وبعد انقلابه على حسني الزعيم أصبح عضوًا في مجلس العقداء، ورئيسًا للشعبة الثانية، أي للاستخبارات العسكرية.
ما إن حدث انقلاب الشيشكلي حتى أُزيح الناصر عن رئاسة الشعبة، وعُيِّن ملحَقًا عسكريًّا في طهران، ثم لذكائه وشجاعته عُيِّن آمرًا لسلاح الجو، مع أن تخصصه كان ضابط مشاة. ويطرح أكرم الحوراني في مذكراته سؤالًا يُبرز أهمية الناصر: "لماذا لم يتجرأ الشيشكلي على تسريحه؟"، ويَلفت هاشم عثمان أيضًا إلى هذا التساؤل في كتابه "تاريخ سوريا الحديث"، ويَعزُو السبب دون شك إلى شعبية الناصر بين الضباط، وتأثيره الكبير في مجريات السياسة أيضًا. فمواقف الناصر لم تكن لِتميل إلى استبداد الدولة، ولا إلى سيطرة الجيش على السياسة.
أطلَقَ شخصان النار على محمد ناصر في ٣١ تموز/يوليو عام ١٩٥٠، عند مفرق كيوان في دمشق، وأثناء محاولات إنقاذه في المستشفى، أدخل إصبعه في فمه الذي كان ينزف بقوة، وكتب بدمه على ثيابه اسمَي القاتلَين اللَّذَين كانا من مُساعدِي الشيشكلي، وهما: إبراهيم الحسيني (رئيس المكتب الثاني)، والملازم عبد الغني قنُّوت (الضابط في المكتب الثاني). وفي غالب الظن، أن الاغتيال كان بتحضير من العقيد الشيشكلي وأمره، وذلك للتخلص من أحد أكبر الضباط الذين قد يشكلون خطرًا على انقلابه المُستقبلي.
في كتاب هاشم عثمان حول المحاكمات السياسية في سوريا، كما في مذكرات أكرم الحوراني، وفي جلسات مجلس النواب‑المجلس التأسيسي، ووفق بيان أذاعه رئيس الوزراء ناظم القدسي في ٣-٨-١٩٥٠، ذُكِر أن المُغتال محمد ناصر قد اتَّهم -وهو على فراش الموت- الشخصين المذكورين آنفًا بقتله. وقد شُكلت محكمة عسكرية، ولائحة اتِّهام للضابطَين، إلا أن القاضي المدني إسماعيل قولي اضطُرَّ إلى تبرئتهما من الجريمة لعدم كفاية الأدلة. وتشير وثائق المحكمة إلى أن القاضي المدني رفض بدايةً براءتَهما، إلا أنه رضخ للعضوَين العسكريَّين في عضوية هيئة المحكمة، اللذَين عيَّنهما الشيشكلي.
اللافت أن العائلة رفضت إعلاميًّا قرار البراءة، وقد نشر هاشم عثمان وثائق لمقابلات أُجريَت مع أرملة المرحوم تفيد بذلك، وتطالب فيها رئيسَ الوزراء بإعادة النظر في القضية. ويؤكد أكرم الحوراني أن عميل المخابرات المركزية ورجل السعودية الأول "إبراهيم الحسيني رئيس المكتب الثاني"[٣] هو من نفذ الاغتيال. أما الصحافي الشهير نصوح بابيل، فأشار في مذكراته[٤] إلى أن الشيشكلي احتفل ببراءة مساعِدَيه، وأن مخابرات الجيش قد هاجمت الصحافة لإثارتها القضية بشكل دائم. عمومًا، لم تُشِر عائلة الناصر إلى أية خلفية طائفية تُذكَر للحادث، ولم تُؤدِّ عملية الاغتيال إلى أي استقطاب طائفي. وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية بيان عائلة الناصر، والمشاركات الصحفية، والمناخ الديمقراطي الذي سبق تَسلُّم الشيشكلي الرئاسة السورية. ومع انتهاء حكم الشيشكلي، هرب المتهم الرئيسي إبراهيم الحسيني إلى المملكة العربية السعودية، حيث أصبح مسؤولًا عن جهاز المخابرات فيها. وقد اتَّهَمت كلُّ الأطراف المعنية بالقضية إبراهيم الحسيني بقتل محمد ناصر، وأيضًا اتُّهم في مذكّرات أشهر الساسة السوريين بأنه كان عميلًا لدى المخابرات الأميركية.
لم يكن اغتيال الناصر سوى مؤشِّر أوَّلي يدل على مجرى العنف السياسي في سوريا المستقلة. ومع تملّص المتَّهمين بمساعدة السلطة، فإنَّ مرتكبي الجرم عُرفوا منذ اليوم الأول. لكن حجم التغطية الإعلامية ومدى أثرها السياسي يشيران إلى محاولات حثيثة إبان فترة الخمسينيات لتجنُّب العنف ورفضه، ووعي السوريين بما يكون حكمًا باطلًا أو مُسيَّسًا، إذ لا تقرأ حينها في أي كتاب أو صحيفة سورية سوى توجيه اتهامٍ صريح للشيشكلي. الاستجابة للجريمة اجتماعيًّا وحقوقيًّا تشير إلى وعي عام ومشاركة عامة للسوريين في وقائع اليوميات السورية؛ ما جعل العنف السياسي مرفوضًا، والشخصيات التي تحث عليه منبوذة.
يحيلنا التفاعل مع الاغتيال السياسي في هذه المرحلة إلى نقطتين. النقطة الأولى هي إدراك الطامحين إلى السلطة لإمكانية التنصل من المسؤولية في أيِّ جرم سياسي عن طريق تحكُّمهم في القضاء، بالتوازي مع ضرورة إبراز المجرم وملاحقته لتفادي الأثر الاجتماعي والسياسي. النقطة الثانية هي أن الاستحواذ على سلطة أكثر شمولًا لبسط هيمنة كاملة، تستوجب القضاء على كل المظاهر المدنية وحالات الاجتماع السياسي أو الثقافي، بدءًا من الأحزاب، ووصولًا إلى الصحافة.
مع إلغاء الأحزاب والصحافة وكل الوسائل الفاعلة في المجتمع، تغيرت النظرة إلى الأدوار التي يشكلها القتل على المسرح المجتمعي. لقد اختفى الاغتيال السياسي من المجتمع، أو بالحَرى تَحوَّل إلى عمليات قتل مُنظمة ومفتوحة، بهدف إبادة الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، دون أي حدٍّ، أو دون استهداف محدد. ولم تعُد الدولة تحتكر العنف وحسب، بل أصبح العنف إجراءً يكاد يكون إداريًّا راشدًا ومُنظَّمًا ومُعتادًا. فنجحت عمليات القتل المتسارعة -وبقوة الجيش الوطني أحيانًا- في إرهاب المجتمع، وإعاقة إمكانيات العمل السياسي، وأُفرغ الفضاء العام من الفاعلين فيه.
كل ذلك حملته طيات العام ١٩٦٣، وصولًا إلى حرب النظام على مدينة حماة عام ١٩٨٢، حيث اغتيل وقُتل الآلاف من السوريين، في ضمن آلية للقتل تستهدف طمس أي عمل سياسي أو مواجهة ممكنة للنظام، بموازاة هذا التوجه.
ثمة أمر بالغ الأهمية تجدر الإشارة إليه، طرأ على مستوى مؤسسة الدولة وحزب البعث نفسه، وهو أن الصراعات داخل السلطة وضدَّها أدت إلى عشرات الاغتيالات. كان بعضها مدروسًا بعناية وحرفية، حيث شملت معارضين للنظام أو لحافظ الأسد شخصيًّا، نَذكُر منهم على سبيل المثال لا الحصر: محمد عمران (في لبنان)، صديق الأسد وأحد مخططي انقلاب البعث، وصلاح البيطار (في فرنسا)، وصلاح جديد، ومحمد عمران، وعبد الكريم الجندي، فضلًا عن مئات الأشخاص الذين أسس بهم حزب البعث سلطته. وهنا نُنوّه بمقولة لمطاع الصفدي، مفادها أن استخدام تعبير "حزب البعث" غير دقيق لاتهامه بتنفيذ الاغتيالات، لأنه ليس حزبًا جماهيريًّا بقدر ما هو جماعة أهلية طائفية، أقرب ما تكون في ذهنيّتها إلى العصابة منها إلى الجماعة المُسيَّسة، شعارها الوحيد "صِفْر عدُوّ". فتصفية حافظ الأسد لكل رفاق البعث وضعت سوريا في وضع مريب؛ إذ لم يبق للفضاء العمومي أي مساحة للعمل أو المواجهة. فتَحوَّل المجتمع السوريّ إلى مثال تاريخيّ تطويعيّ للأفراد والنّفوس، وأصبح الإنسان آلة تَختزل نفسها بالخوف والانكفاء، وتُعمِّم أمانها وانسحابها من المجتمع على الجميع.
وفي ابتعاد المجتمع عن السياسة من جرَّاء العنف، بدأت اللائمة تقع على الفرد الضحيَّة عوضًا عن السلطة الجانية، وتَحوَّل الاهتمام بالشخصية المُغتالة مثلًا: مِن عِلم نفس الجماعة المنحرفة أو الدولة الاستبدادية، إلى عِلم نفس الضحية (victimology)؛ أي إلى بحث دور الضحية وسيكولوجيتها. فالحالة الارتكاسيّة للمجتمع تجاه جرائم القتل كانت قد انتهت، وتحوَّل الضحايا المغتالون إلى مُلامين مجتمعيًّا. إنها درجة إضافية من الكذب الذي أطلقه النظام، وجعل فيها أعداءه الطبيعيين مُدانين ومرفوضين بحكم الاعتقالات وحالات القتل، من دون رقيب داخلي أو خارجي دوليًّا. وهذا بالطبع أقصى درجات العنف، الذي أدى إلى خلخلة سلَّم القيم، ونحَّى المجتمع عن أي إيثار جماعي يمكن العمل من خلاله أو تبادُله قِيميًّا.
استقر حزب البعث في السلطة، ولم يؤدِّ المصطلحُ المضخم لثورة البعث إلى مزيد من التفاعل السياسي داخل المجتمع؛ وإنما تأصَّل في دولة البعث -بعد تَسلُّم حافظ الأسد زمام الحكم- إنتاجُ العنف المركزي وغير المركزي في آن واحد. ولذلك الأمر أسباب وجيهة وطبيعية، ذكَرها حنّا بطاطو في كتابه فلَّاحو سوريا، حيث أشار مرارًا إلى استغلال النظام للبُعدَين الطائفي والعشائري في أرجاء سوريا، لتنميط الأفراد في ضمن الجماعة القَبَلية أولًا، ثم في ضمن سطوة النظام العسكري ثانيًا. بمعنى آخر، بات المجتمع السوري عرضة لأشكال مُكرَّرة من التعنيف، بهدف السيطرة وتحديد الأطر والقيم.
سرَى حينذاك مسار تعاقدي مضمر بين السوريين والسلطة، مضمونه الابتعاد عن الشأن السياسي تمامًا، وفقًا لمقولة دوركايم التي تشير إلى أن «أكثر العقود ثباتًا وضمانًا هي العقود الضمنية المضمرة اللاواعية». فتكفلت شرعية النظام العنفيّة بتغيير مجرى القيم المجتمعية، التي لم يعُد فيها فهمُ الدولة ووظائفها شأنًا في متداول المواطنين، ولا حتى النخب. وتحوَّل حافظ الأسد إلى راعٍ وأب وقائد وسلطان، في آن معًا.
في سياق مُتَّصل بما سبق من قول، كانت الهوية السلبية للمجتمع السوري، التي كانت نتيجة القمع والاستبداد، تتحضر لرد عنيف اتجاه السلطة، تَمثَّل باعتماد الجانب العسكري لدى الحركات الإسلامية، التي حملت السلاح بصفته حلًّا أخيرًا لمواجهة السلطة. فبدأت أعمالَها بعمليات اغتيال شملت مواطنين وفاعلين سياسيين وضباطًا مقرَّبين من النظام. أشهَرُ تلك العمليات كانت مجزرة مدرسة المدفعية في حلب عام ١٩٧٩، التي تذرَّع بها النظام لشنِّ عمليات القتل المفتوح، في ضمن قانون الطوارئ والتصفيات العسكرية الميدانية لمقربيه البعثيين، وللقادة العاملين في الأجهزة الأمنية والعسكرية. وفي تسعينيات القرن العشرين، توقفت الأحزاب السياسية أو الجماعات الضاغطة المُقاوِمة للنظام؛ إذ لم يعارضه أحد إلا وخضع للاعتقال أو للقتل داخل السجن، وفُقِدَ المعيار الاجتماعي لمقاومة النظام بشكل منظَّم.
حين عجز النظام عن ضمان تقبُّل المجتمع السوري لعنفه، وشعر بأن للضحايا أدوارًا ومساحات في وِجْدان السوريين، اجتاح بحرب ١٩٨٢ مدينةَ حماة بوصفها أقصى الإجراءات عنفًا، وأُغلقت صفحة الحياة السياسية بأبشع جريمة قتل جماعي على مرأًى ومَسْمع من العالم، حيث لم يعُد هناك أيُّ داعٍ لقتلٍ نوعيّ أو مخطّط له يستهدف الأفراد. بعدها، عملت الدولة على إقرار قانونَين نصَّت فيهما على إعدام المعارضين[٥]، وتَداخَل فيهما بُعدٌ انتقامي طائفي أقرب إلى الحرب الأهلية منها إلى الإجراءات السلطوية.
فقَدَ الاغتيال صيغته التراجيدية، حيث قادت الدولة عملية قَوْنَنةٍ للقتل عبر الإعدامات والأجهزة الأمنية والعسكرية. أمَّا جدار الحماية الوحيد للسوريين، فكان صمتهم واعتزالهم السياسة والعمل العام. وكان عنفُ النظام السوري قد بدأ يتسرَّب إلى لبنان، منذ تدخُّل الجيش السوري في الشأن اللبناني عام ١٩٧٦. ففي لبنان، بقي أثر مفهوم الاغتيال واضحًا في المسرح السياسي، بانعكاساته الاجتماعية والسياسية. أما في سوريا، فبلغَت درجة القتل "صِفْر أثر"، وفقًا لمبدأ تعميم الاستجابة (response generalization principle)، الذي بمقتضاهُ بدا السوريّون غيْرَ مسؤولين أو معنيِّين بأي استجابة خاصة، مِن جرَّاء تواتُر حالات القتل وتكراراها، وأضحى القتل تصرفًا طبيعيًّا لدى السلطة وداخل المجتمع. وهو مبدأ يُمكِّن التكيف معه، لحماية النفس والمجموعة.
على مدار حقبة البعث وحكم عائلة الأسد، تلاشت ظاهرة القتل غِيلةً وفي خفاء لتصفية المعارضين، بل أصبح القتل ممارسةً شبه علنيَّةٍ، ثم تغيرت أنماط الاستجابة لدى الناس حتى وصلت إلى مبدأٍ عامّ ومستقِر، ألا وهو "صِفْر استجابة/أثَر". فمنذ اغتيال الشهبندر حتى تثبيت نظام البعث، استقر كل شيء في نطاق استجابة المجتمع المحدَّدة لممارسات السلطة. وهو جزء من برمجة قام بها النظام لتلقين الجماعةِ الحقائقَ والمسلَّمات. فالنظام لا يغتال في عملياته المتكررة، بل يقتل دون إجراء أي تحقيق أو بحث -ولو شكليّ- لمعرفة كيف قُتلت الضحايا. إنَّ سيطرة النظام على الأرض جعلته يُنشئ مقتلة تليها مقبرة، ولَطالما حُرم ذَوُو الضحايا الحصولَ على جثث أقربائهم، وذلك لطمس أي أثر يمكِّنهم من معرفة طريقة موتهم، حتى إن الجثة قد تُصادَر باعتبار ذلك إجراءً احترازيًّا، لحرمان القضاء أو الطب الشرعي معاينةَ الواقعة.