SHARE
عَوْدٌ على بَدْء
مسيرة الغيلة في العراق بين تشرين الأوَّل/ أكتوبر ٢٠١٩ وهيمنة الإطار التنسيقيّ عام ٢٠٢١
أحمد الحسيني
١٠ تشرين الأول، ٢٠٢٣

عند الحديث المباشر عن الاغتيالات السياسية بعد انتخابات العراق ٢٠٢١، لا بدَّ من التنويه بعدم وجود إحصائيّة رسمية تثبِّت عدد الاغتيالات. وهذا ما أكّدته مصادر حكومية رسميّة مطّلعة، حيث إن عمليات الأرشفة والتوثيق في الدوائر الحكومية وعلى رأسها وزارة الداخلية، عملت على إبعاد هذه الإحصائيات عن دائرة الضوء والإعلام، كما أغلقت أي ثغرة سانحة لتسرّب المعلومات.

وخلال كتابة هذه الورقة والقيام بالبحث الإحصائي، وُجد أن السلطات العراقية تصدّ أيّ محاولة لجمع إحصاءات تتعلق بالسياسيّين والدبلوماسيّين والصحفيّين والناشطين والمواطنين العاديّين الذين طالهم هذا النوع من الجرائم التي تندرج تحت مسمّى الاغتيال السياسي. 

ومن جهتها، أكَّدت مفوضيّة حقوق الإنسان في العراق وجود حقبة مظلِمة جدًا في تاريخ العراق الحديث من ناحية الأرشفة والتوثيق، وهي حقبة ما قبل أحداث احتجاجات تشرين (٢٠٠٣-٢٠١٩). ورغم كونها جهة رسمية، إلا أنّها تعجز عن وضع إحصائيات دقيقة لظاهرة الاغتيالات السياسية. ومع اندلاع احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠١٩، تشجّعت الكثير من المنظّمات، بما فيها مفوضيّة حقوق الإنسان، على توثيق الانتهاكات بطرق مختلفة.  

لذا فإن محتوى الورقة من إحصاءات لحوادث اغتيال، تمَّ جمعه من خلال المصادر المشاعة والواردة في تقارير صحفية رصينة، أما الاغتيالات التي رافقت وتلت احتجاجات تشرين/أكتوبر ٢٠١٩، فهي نتيجة جهود شخصية نعمل على توثيقها، نتطرق هنا إلى جزءٍ منها.

تشرين / أكتوبر: المذبحة الكبرى

عند انطلاقها في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٩، قُوبلت التظاهرات بحملات تصفية سياسية ممنهَجة ومتزامنة وعلنية. حيث وقعت نحو أكثر من ٩٠ حادثة اغتيال لناشطين ومتظاهرين شاركوا في الاحتجاجات، أَودى ثلثها بحياة المستهدَفين.

في مساء ٣ أكتوبر/ تشرين الأول من عام ٢٠١٩، اقتحم مسلَّحون شقةً يسكنها الناشط المدني ورسام الكاريكاتير حسين عادل وزوجته سارة طالب في البصرة، وقتلوهما أمام عينَي طفلتهما الصغيرة، فقط لأنّهما كانا يُسعفان جرحى التظاهرات. وبعد عام وفي البصرة ذاتها، اغتال مسلَّحان مجتبى السكيني، طفل لُقِّب بـ«الـزاجل»، وهو طير الحمام الأزرق الجميل. ذلك الطفل النحيف المولود لعائلةٍ فقيرة بسيطة اغتيل ليلاً لمشاركته في التظاهرات التي كانت تنتقد فساد الأحزاب وتطالب بحياةٍ أفضل للعراقيين.

هؤلاء وغيرهم من الناشطين قُتلوا بذريعة مشاركتهم في الاحتجاجات التي كان شعارها «#نريد_ وطن»، ولا زال قاتلوهم المعروفون طلقاء لا تلاحقهم أجهزة الدولة ولا تكشف هويتَّهم، وإن عتّم عليها المسؤولون الحكوميّون بغطاء اصطلحوا عليه «الطرف الثالث».

كان على رأس من اغتالتهم «الأطراف الثالثة» هشام الهاشمي، وهو باحث أكاديمي من أبرز الخبراء العراقيين المتابعين لأمور الجماعات المتشدِّدة، وله كتابات هامّة عن المجموعات المتَّصلة بتنظيم القاعدة وزعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي. قُتِل الهاشمي أثناء عودته إلى منزله من مقرِّ عمله مساء ٦ يوليو/تموز ٢٠٢٠، بعد أشهر قليلة على بدء تقديم استشاراته المباشرة لرئيس الحكومة مصطفى الكاظمي. وأضيف لقائمة قطاف الرؤوس بعد الهاشمي مباشرةً اغتيال الناشطة البصرية رهام يعقوب، التي كانت قد قرَّرت التوقف عن المشاركة في المظاهرات بعد أن تلقَّت تهديدات عام ٢٠١٨ وتفرّغت تمامًا لدراستها الأكاديمية وعملها وتخصصها في الرياضة، إلا أنِّها لم تستطع حماية نفسها من الاغتيال الذي طالها بتاريخ ١٩ أغسطس/آب ٢٠٢٠. 
وفي ١٤ أغسطس/آب ٢٠٢٠، أي قبل اغتيال رهام بخمسة أيام، أقدم مسلَّحون على اغتيال الناشط البارز في احتجاجات البصرة أسامة تحسين الشحماني، بـ٢١ رصاصة استقرَّت في جسده داخل مكان عمله وسط المدينة. 
وتضمَّنت قائمة اغتيالات احتجاجات تشرين الناشطة المدنيّة جنات ماذي التي اغتيلت بتاريخ ٢٢ يناير/كانون الثاني ٢٠٢٠، وثائر الطيب بتاريخ ٢٥ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٩، والناشطَين عبد القدوس قاسم وكرار عادل بتاريخ ١٠ مارس/آذار ٢٠٢٠، وأمجد الدهامات وفاهم الطائي وحسن هادي وصلاح العراقي ومهند القيسي وعلاء باشي وعدنان رستم وإيهاب الوزني، وآخرهم حيدر الزاملي. جميعهم ناشطون قُتلوا لمشاركتهم في الاحتجاجات، ولا زال معظم القتلة طلقاء، لا تلاحقهم أجهزة الدولة ولا تُكشَف هويّاتهم المعروفة في الفضاء العراقي. 

هذا وندرج أدناه جدولاً يوضح الإحصائيّة الخاصّة بالاغتيالات ومحاولات استهداف الناشطين والإعلاميين الصادرة عن مفوضية حقوق الإنسان في العراق. 

بابلبدون إصابة33بدون اصابات: 28
إصابة-
وفاة-
بغدادبدون إصابة212
إصابة2
وفاة8
البصرةبدون إصابة-12الاصابات: 23
إصابة5
وفاة7
كربلاءبدون إصابة-6
إصابة4
وفاة2
الديوانيةبدون إصابة-1حالات الوفاة: 35
إصابة-
وفاة1
واسطبدون إصابة-1
إصابة-
وفاة1
ذي قاربدون إصابة1631المجموع النهائي: 86
إصابة5  
وفاة8  
ميسانبدون إصابة317 
إصابة5  
وفاة5  

 

في محاولة لتحديد هوية «الطرف الثالث»، أصدر ناشطون وحقوقيّون عراقيّون بتاريخ ٢٤ مايو/أيار ٢٠٢١ قاعدة بيانات ندرجها أدناه، اعتمدت على جهودٍ فردية سعيًا منهم لدفع البرلمان العراقي لاستجواب القادة الأمنيّين وكبار الضباط المنوطة بهم مهمّة الحفاظ على الأمن العام. 

وكان من المقرر أن تتمَّ جلسة الاستجواب هذه في يونيو/حزيران ٢٠٢١ بحضور نخبة اجتماعية ودينية بالإضافة الى عوائل الضحايا، في محاولة لصنع حراك برلماني-شعبي. وحاولت تنسيقية الحراك البرلماني (التي تصف نفسها على أنها داعمة للحراك الشعبي) أن تفتح ما أطلق عليه المغرّدون والناشطون السياسيون «مغارة علي بابا» للجرائم السياسية في عراق ما بعد ٢٠١٩، إلا أنّ اختراقًا واضحًا لم يحدث في هذا الصدد، ولا زال الملف مغلقًا حتى اللحظة. 

يحتوي الجدول أدناه على قاعدة بيانات جُمعت وقُدمت للبرلمان العراقي:

بابلواسطكربلاءالديوانيةميسانالبصرةبغدادذي قار

احمد سعدون المرشدي

16/1/ 2020

اغتيال احمد أنور الدريعي(12 سنة)

13/1/2020

اغتيال علاء مشذوب

2/2/2019

اغتيال ثائر الطيب

12/12/2019

اغتيال أمجد الدهامات

6/11/ 2019

اغتيال حسين عادل وسارة

2/11/2019

اغتيال علي نجم اللامي الشعب

11/12/ 2019

اغتيال انوار جاسم مهوس

5/4/2020

 

محاولة اغتيال فالح الموسوي واحمد جمعة

14/2/2019

اغتيال

فاهم الطائي

 

9/ 12/2019

محاولة اغتيال احمد حسن

 

10/5/ 2021

اغتيال كرار عادل

 

10/3/ 2019

اغتيال حيدر المالكي

 

27/11/ 2019

اغتيال هشام الهاشمي

 

6/7/2020

اغتيال علي خالد الخفاجي

 

30/12/ 2019 

 

تفجير منزل سجاد الحسيني

 

13/4/2021

اغتيال 

إيهاب الوزني

 

9/5/2021

تفجير منزل عمار الخزعلي

 

22/11/2020

تغييب علي جاسب

 

8/10/2020

اغتيال صفاء غالي واحمد عبد الصمد

10/1/2020

اغتيال صلاح حسن الشمري

 

15/12/2020

اغتيال حسن هادي مهلهل العكيكة

13/1/2020

   

استهداف منزل احمد الإيدامي

3/5/2021

اغتيال حيدر فاضل بدن اللامي

29/11/ 2019

اغتيال جنات ماذي الشحماني

22/1/2020

اغتيال زهراء علي سلمان القرلوسي

4/12/2019

اغتيال علي العصمي

20/12/ 2019

   

تفجير منزل احمد محمد

4/2/2021

اغتيال جاسب الهليجي

10/3/2021

اغتيال الشيخ حازم الحلفي

2/2/2020

اغتيال مجد جاسم الدجيلي

15/12/ 2019

اغتيال ازهر الشمري

12/05/2020

   

استهداف حسام العابدي

 

28/11/ 2020

محاولة اغتيال رضا العقبلي 

 

12/3/2020

اغتيال تحسين الشحماني

 

15/08/2020

اغتيال حقي إسماعيل

 

15/12/2019

إعدام علي حسين زوير الأسدي

27/01/2020

    

محاولة اغتيال مجيد الزبيدي

31/11/2019

اغتيال رهام يعقوب

19/8/2019

اغتيال علاء باشي الجيزائي

11/12/ 2019

محاولة اغتيال علي معارج

12/12/2020

    

محاولة اغتيال جواد الحريشاوي

 

23/11/ 2019

اغتيال مجتبى احمد (طفل)

 

23/1/2020

اغتيال غازي التميمي سريع محمد القاسم

6/11/2020

تفجير منزل احمد عباس

 

8/02/2021

    

محاولة اغتيال حسن نعيم البهادلي

22/12/2019

محاولة اغتيال خالد السامر

 

17/7/2020

اغتيال عدنان رستم الحرية

 

16/11/ 2019

تفجير منزل حسين الغرابي

 

25/09/2020

    

محاولة اغتيال باسم عبد الهادي الزبيدي تصوب

 

9/12/ 2019

محاولة اغتيال لوديا ريمون وفهد الزبيدي وعباس صبحي

17/9/2020

محاولة اغتيال اوس فاضل الكرادة

 

25/12/ 2019

تفجير منزل عباس موسى دريب
    

محاولة اغتيال حسن نجم

21/ 12/ 2019

محاولة اغتيال عمار الحلفي

17/7/2020

محاولة اغتيال ريم علي بغداد

19/1/ 2929

تفجير منزل ولي السعيدي

21/12/ 2020

    

محاولة اغتيال وثام الشعراوي

6/6/2020

تفجير محل عقيل زكي ٢٩ 

29/11/2020

محاولة اغتيال أكرم عذاب

26/11/ 2020

محاولة اغتيال صمد الشطري

11/11/ 2019

    

تفجير منزل علي فرحان

 

19/12/2019

محاولة اغتيال حسين عبد جخيور المياحي

19/11/2019

توفيق التميمي ومازن لطيف

 

27/9/2018

محاولة اغتيال علي عماد

 

8/2/2021

    ٣٥ ناشط خارج المحافظة الان

اغتيال جبار البهادلي

 23/7/2023

اغتيال هادي المهدي

أيلول 2011

تفجير منزل ناصر المزعل

3/1/2021

     

اغتيال الشيخ وسام الغراوي

18/11/ 2018

جلال الشحماني وفرج البدري وواعي المنصوري

محاولة اغتيال نهاوند تركي

18/1/ 2020

     

اغتيال سعاد العلي

29/9/2018

وسام رحيم الزيراجاوي

17/12/2019

ملف سجاد العراقي

20/9/2020

لائحة باغتيالات ومحاولات الاغتيال وتفجير المنازل، قبيل وبعد تشرين ٢٠١٩، رفعت إلى مجلس النواب بتاريخ ٥ أيار/ مايو ٢٠٢١، لائحة غير كاملة  

اغتيال الرئيس

أحدثت أخبار الهجوم الإرهابي الفاشل الذي وقع بتاريخ ٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢١ في العراق أصداءً عالمية. حيث تمَّ استهداف منزل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، بواسطة ثلاث طائرات مسيّرة مفخّخة في منطقة الخضراء ببغداد.

لم تعلن الجهة المخطِّطة والمنفّذة للعملية عن مسؤوليَّتها، إلا أنَّ الحادث أسفر عن أضرار مادّيّة في منزل رئيس الوزراء، وتمكّنت القوات الأمنيّة العراقيّة من إسقاط اثنتين من الطائرات الثلاث المفخّخة. كما أسفر الهجوم عن إصابة ستّة من أفراد قوّة الحراسة الشخصية لرئيس الوزراء.

بعد يومٍ من هذه الحادثة، كشف مسؤولون أمنيّون ومصادر قريبة من الفصائل المسلحة في العراق عن تورُّط جماعة تمتلك دعمًا من إيران في تنفيذ هذا الهجوم.

وأفادت هذه المصادر لوكالة رويترز بأن الطائرات المسيّرة والمتفجرات المستخدمة في الهجوم إيرانية الصنع، وشدّدت على ضرورة عدم الكشف عن هوية هذه الجماعة.

حملت محاولة الاغتيال رسالةً واضحة تجاه الأوضاع السياسية، ألا وهي ضرورة تلبية مطالب المجموعات المسلَّحة بزيادة عدد مقاعدها في مجلس النواب بعد خسارتها في الانتخابات. وقد جاءت في سياق الحديث عن تشكيل حكومةٍ ذات أغلبيّة وطنيّة، الأمر الذي سلب تلك المجموعات مكانها في الحكومة ودفعها نحو المعارضة. وما زاد من غضب تلك المجموعات تصميم مفوضيّة الانتخابات وامتناع الكتل السياسية الفائزة عن محاولة استيعابها، ودفعها لاتِّخاذ خطواتٍ تصعيدية.

رصاصٌ بين أبناء المرجع الواحد

في خطاب الفوز الذي أُلقي في مساء يوم الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام ٢٠٢١، دعا مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، الجماعات الشيعية المسلَّحة المتنافسة للتخلّي عن سلاحها والانضمام إلى الحكومة. وبالرغم من أنه يتزعّم فصيل سرايا السلام المسلَّح أيضًا، إلا أنَّه أكَّد بقوة على ضرورة منع استخدام السلاح خارج نطاق الدولة، مشددًا على أنَّ الوقت قد حان للسماح للناس بالعيش دون تدخّل الميليشيات. وهو خطاب يمثِّل إشارةً واضحة إلى الفصائل المسلحة في العراق التي تدّعي أنها جزء من محور المقاومة الذي تقوده إيران.

بعد وقتٍ قصير من هذا الخطاب، تمَّ اغتيال اثنين من أعضاء عصائب أهل الحق ومنظمة بدر المتحالفة معها، وعُثر على حسين الخفاجي، العضو في عصائب أهل الحق، وحميد المحلاوي، المعاون الأول لقائد تحالف الفتح، مقتولَين في بغداد. كما أُدرج مقتل اللواء سلمان غضبان الشهواني في اليوم نفسه في خانة الأضرار جانبية.

وهنا يجدر بالذكر أن الإطار التنسيقي رفض نتائج الانتخابات منذ البداية. وعلى الرغم من ذلك، لم تحدث الفوضى المتوقعة بعد مصادقة المحكمة الاتحادية العليا في ٢٧ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢١ على النتائج. بدلًا من ذلك، عادت موجة الاغتيالات إلى الواجهة. في ٧ كانون الثاني/يناير٢٠٢٢، قُتل عضو كتائب حزب الله العراقي أحمد عبد المطلب عبد الرزاق وعائلته في هجوم على منزله في بغداد، ثم قُتل علاء ياسر رمضان من منظمة بدر بالرصاص أثناء نومه في منزله بضاحية مدينة كركوك الشمالية بعد ساعات. وبعد يومين، وتحديدًا في صباح الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد، تم العثور على جثة مسلم الكعبي، قائد سرايا السلام، مخترقة بالرصاص في محافظة ميسان. في أوائل عام ٢٠٢٢، انطلقت موجة اغتيالات في محافظات العراق الجنوبيّة، لا سيّما محافظة ميسان المعروفة بكونها جزءًا من منطقة نفوذ «التيار الصدري». وشهدت المحافظة تواجدًا لفصائل مسلَّحة تنتمي إلى إيران منشقة في الأصل عن التيار الصدري، مثل «عصائب أهل الحق» التي يتزعّمها قيس الخزعلي. 

ولعلَّ المشكلة الأساسيَّة تتمثَّل بوجود توَتُّر مستمر وغضب مكبوت بين الفصائل المختلفة في ميسان، ازدادت حدّته بعد نتائج انتخابات تشرين والأحداث التي تلتها. إذْ بدأت سلسلة الأحداث هذه منذ بداية شهر كانون الثاني/يناير ٢٠٢٢ باغتيال مسلم عيدان، القيادي بالتيار الصدري، وتمَّ اتهام «العصائب» بارتكاب هذا العمل. ثم تلى ذلك اغتيال الضابط حسام العلياوي، الذي يُعتقد أنَّه على صلة بالفصيل ذاته المتَّهم باغتيال مسلم عيدان. تسبَّبت هذه الأحداث في تصاعد التوتُّرات والفوضى، وأدّت أيضًا إلى اغتيال كرار أبو رغيف والقاضي أحمد فيصل، وكلاهما ينتمي إلى التيار.

وفي أولى جلسات المجلس النيابي الجديد، تمَّ العثور على جثَّة مسلم الكعبي، أحد قادة سرايا السلام، مقتولًا بالرصاص في محافظة ميسان. يُمكن تفسير هذا الحادث على أنَّه تحذير للزعيم مقتدى الصدر من عدم التعاون مع محمد الحلبوسي، رئيس مجلس النواب، ومسعود بارزاني من حزب الديمقراطي الكردستاني.

القضاء مرّة أخرى

عانى العراق من نقصٍ كبير في عدد القضاة بالنسبة للمسؤوليات الملقاة على عاتقهم وبالمعايير الدوليّة المعترف بها. وفقًا للمعايير العالمية، يجب أن يكون هناك ما يقرب من سبعة قضاة لكلِّ ١٠٠ ألف شخص. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يكون هناك في العراق حوالي ٢٨٠٠ قاضٍ، ناهيك بالمدّعين العامّين. ومع ذلك، فإن الواقع الحالي يشير إلى وجود حوالي ١٦٠٠ قاضٍ ومدّعٍ عام واحد فقط. ومنذ عام ٢٠٠٣، فقد العراق ٧٤ قاضيًا، جميعهم كانوا مسؤولين عن قضايا تتعلّق بالفساد والإرهاب والمخدرات. 

هذا الواقع جعل القضاة عرضةً لخطر الاعتداء من قبل عصابات الجريمة والفساد والمافيا والإرهاب. آخر الاغتيالات التي طالت القضاء العراقي هو حادث اغتيال القاضي أحمد فيصل خصاف الساعدي، المختصّ بمعالجة قضايا المخدَّرات، في هجومٍ مسلَّح في مدينة العمارة في محافظة ميسان جنوب شرق العراق، أسفر عن وفاته على يد مجهولين.

ويعكس استهداف القضاة المتكرّر سوءَ تفاعل الدولة في مواجهة الجماعات المسلحة والعصابات الكبيرة والمافيا، والتي تستفيد من فجوة في متابعة القضايا القانونيّة. تعتمد هذه العصابات أيضًا على تحالفاتها مع العشائر، ممّا يزيد من التهديد على القضاة والمؤسَّسات الأمنية.

أكاديميّون... عسكريّون... عامل إغاثة أمريكي

استمرَّت عمليات الاغتيال بصورة متفاوتة في العراق منذ بداية ٢٠٢٢ حتى تشكيل حكومة الإطار التنسيقي. اغتيلت في هذه الفترة شخصيّات عسكريّة وجنود عراقيّون لم يتبنّ تنظيم داعش عمليّات تصفيتهم هذه المرّة. ففي ٢ شباط/فبراير٢٠٢٢ قتِل جنديان بانفجار عبوة ناسفة شمال غربي قضاء راوة التابع لمحافظة الأنبار. 

في السابع من أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٢، وبعد وقتٍ قصير من انطلاق الضابط الاستخباراتي السابق هاوكار عبد الله رسول بسيارة رياضيّة من منزله الكائن في شارع محاط بالأشجار بمدينة أربيل، حدث انفجار في سيارته أسفر عن وفاته وإصابة أربعة من أفراد أسرته. 

وبعد أقلَّ من أسبوع، صدر بيان عن مجلس أمن كردستان مفاده أنّ مَفارزَه الأمنية ألقت القبض على ستة متَّهمين ينتمون إلى خليّة من ١٠ أفراد كانت تخطِّط لتنفيذ أعمال إرهابيّة بتوجيه مباشر من «مسؤول مكافحة الإرهاب» في السليمانيّة، وهو شخص يُدعى وهاب حلبجي، بالإضافة إلى «مسؤول الاستخبارات» في المكافحة ويُدعى كارزان محمد رشيد. وأشار البيان إلى أن نتائج التحقيقات أكَّدت أن عملية اغتيال هاوكار الجاف تمّ تنفيذها بأمر مباشر من قبل وهاب حلبجي وفريقه التابع لوحدة مكافحة إرهاب السليمانية.

وبعد أيامٍ قليلة من تشكيل حكومة الإطار التنسيقي بقيادة محمد شياع السوداني، بتاريخ ٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٢، شهدت بغداد حادثة استهدافٍ لمواطن أمريكي يعمل في منظمة إغاثية تُدعى ستيفن ترول. حيث قام المهاجمون الذين كانوا يستقلّون مركبتَين من طراز تاهو ومرسيدس بهجومهم، مستخدمين أسلحة كاتمة للصوت أثناء مروره بالقرب من منطقة الكرادة وسط بغداد، على متن سيارة مدنية برفقة زوجته. تمّ نقل الضحية البالغة من العمر ٤٥ عامًا إلى مستشفى الشيخ زايد بواسطة قوة أمنية، لكنه توفي هناك. 

وبتاريخ ٣١ آب/أغسطس ٢٠٢٣، أصدرت وزارة الداخلية العراقية أحكامًا قضائية ضدَّ خمسة من المتَّهمين بقتل المواطن الأمريكي في العاصمة بغداد، كان من بينهم متَّهم يحمل جنسيَّةً إيرانيَّة ويعمل كمستشار أمنيٍّ للقوّات الأمنيّة العراقيّة.

الرصاص يطال الجميع

في شباط/ فبراير ٢٠٢٣، شهدت مدينة بعقوبة، الواقعة في محافظة ديالى شمال شرق بغداد، عمليّة اغتيال استهدفت طبيبًا معروفًا متخصِّصًا بجراحة القلب يُدعى أحمد المدفعي. وفي سياقٍ مشابه، تعرّض أستاذ جامعي متقاعد يُدعى عبد الرسول الأنباري لعملية قتل في محافظة بابل جنوب العاصمة. 

وفي يوم ٢٢ فبراير/شباط، تعرَّض ضابط طيّار برتبة عقيد يعمل في سلاح الجو العراقي لعملية اغتيال في قضاء الفلوجة بمحافظة الأنبار الواقعة غربي البلاد. هذا الحادث يمثِّل الأوَّل من نوعه منذ سنوات.

ما سر الاغتيالات في ديالى؟

جاءت عمليات الاغتيال هذه في أعقاب مقتل ما لا يقلُّ عن تسعة مواطنين عراقيّين، بينهم امرأتان، وإصابة آخرين، في هجومٍ مسلَّح استهدف مزارعين في أراضيهم في قرية بالقرب من بلدة الخالص، شمال شرقي مدينة بعقوبة. لمّحت بعض الأطراف السياسيّة والبرلمانية إلى احتمال وجود ميليشيا مسلَّحة وراء هذا الهجوم.

يثير تزايد حالات الاغتيال والاختطاف في العراق بشكلٍ ملحوظ، وخاصّةً في محافظة ديالى التي تتميَّز بغالبية سنّيّة وتجاورها لإيران، العديدَ من التساؤلات حول أسباب عودة هذا النوع من الأعمال الإجراميّة إلى الواجهة من جديد، بعد فترة من الاستقرار النسبي في المنطقة.

أدلى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بتصريح خلال مقابلة تلفزيونيّة أكَّد فيه أنَّه لن يتسامح مع عودة التوتُّرات الطائفية في ديالى، وأنّ الجهات الأمنيّة تعمل بجدّ على تحديد المسؤولين عن الجرائم الأخيرة في المحافظة. وأشار إلى أنّه يتابع الأمور شخصيًّا، لكنّه لم يواجه الشعب العراقي بالأسباب التي تجعل هذه المحافظة صاحبة أعلى مؤشِّرات الاغتيال السياسي في العراق. 

أوضح النائب العراقي رعد الدهلكي، الذي يمثّل المحافظة في البرلمان، أنّ عصابات تهريب الدولار، التي اعتمدت في السابق على الفوضى الأمنيّة في ديالى كوسيلة للربح، بدأت تواجه ضغوطًا متزايدة. وبالتالي لجأت هذه العصابات إلى زعزعة استقرار المنطقة وزيادة التوتُّرات بهدف تحقيق مصالحها.

وزارة الداخلية: كل شيءٍ على ما يرام!

بعد كلِّ موجة اغتيالات تمرّ بها المدن العراقية، تخرج وزارة الداخليّة المتمثِّلة بلسان المتحدِّث باسمها لتعلنَ للشعب العراقيِّ عبر الصحف والإذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي والتلفزيون أنَّ الأوضاع الأمنية مستقرّة في مدن العراق بشكل عام، وأنّ الحوادث المستجدّة قيد المتابعة بعناية من قبل القوّات الأمنيّة.

وتنفي الوزارة دائمًا وجود أيِّ تدهور في الوضع الأمنيِّ، وتؤكّد أنّ هناك جهودًا مكثَّفة في مجال الاستخبارات لمكافحة الأنشطة غير القانونية، وأنَّ التحقيقات مستمرَّة بشأن عمليّات الاغتيالات.

إلّا أنّ الوزارة في مجمل تصريحاتها تردّد ما يقوله الأفراد العاديّون أو منظّمات المجتمع المدني والناشطون السياسيّون والاجتماعيّون، ولا تحمّل نفسها المسؤوليّة عن أيّ من هذه الخروقات، بل ونجد أنّ آخر قراراتها بتاريخ ٨ نيسان/أبريل ٢٠٢٣ منحت إجازات حمل سلاح لفئات جديدة. حسب بيانها، شمل القرار التجّار حاملي هويّة غرفة التجارة من الدرجتين الأولى والثانية، وكذلك المقاولين من الدرجتيَن الأولى والثانية، فضلاً عن أصحاب محلّات صياغة الذهب وبيعه، يضاف إليهم أصحاب محلّات الصرافة، شريطة حصولهم على تأييد من قبل شركة الصرف الآلي (كي كارد) وفق الضوابط والقوانين النافذة.

اللعب بالإرهاب

استفاد نظام المحاصصة الطائفيّة العراقي من وجود الإرهاب كثيرًا بتسويقه كوحش يجب مقارعته إلى الأبد وإغلاق جميع الملفّات التي لا تتعلّق به، حتّى وإن كانت هذه الملفّات تخصّ انتهاكات بشرية جسيمة، واغتيالات ليس لها رقم يحصيها حتى الآن، وتهجيرًا قسري لا يتوقَّف. ونلاحظ على طول الخط الزمنيّ العراقي أنّ الإرهاب كان الشمّاعة التي علّق عليها النظام السياسي مشاكله من ناحية، وشاركه في أفعاله من نواحٍ متعدِّدة. بوجود الإرهاب، يستطيع النظام بكلِّ سهولة ممارسةَ فعل الاغتيال ومن ثمَّ رميَ الاتهام مباشرةً على الإرهاب، كما حدث كثيرًا في سنوات العراق الثمانية عشر السالفة. والغريب في هذا الأمر هو شروع الجماعات الإرهابيّة بتبنّي قضايا اغتيالات وانتهاكات ألقت بها الحكومات المتعاقبة عليها، لأنّها – أي الجماعات الارهابيّة – تجد في هذه الاتِّهامات تراكمًا في رصيدها من العنف وإضافةً إلى سجلّها، ممّا يضاعف من سعرها في بورصة الإرهاب العالمي.
يُعتبر هذا السلوك بديهيًّا جدًا في البلدان التي تعيش سلسلةً زمنية مطوَّلة من الأجواء الأمنية المضطربة، فيزداد هامش الانتهاكات الحكوميّة أيضًا تحت عنوان «مكافحة الإرهاب». كان لإصرار الصحفيين والنشطاء الذين دائمًا ما يشكّكون في الرواية الرسميّة الفضلَ في زحزحة المؤشِّر نحو الفاعل الحقيقيِّ تدريجيًا، ولولا موجات التشكيك الجريء لكانت كل عمليّات الاغتيال تُسجّل حتى الآن باسم «الإرهاب»، والذي يُقصَد به حكوميًّا «الجماعات السنّية».

الحصيلة

الاغتيال السياسيّ ظاهرة قديمة ومنتشرة حول العالم، وتختلف من حيث الدرجة والنوع، كما تختلف أيضًا ردودُ الفعل إزاءها من بلدٍ إلى آخر. فجريمة اغتيال واحدة يُمكن أن تطيحَ بحكوماتٍ وأنظمة فى بعض البلدان. إنَّما في دولٍ أخرى مثل العراق (ما بعد ٢٠٠٣ أنموذجًا)، تمرّ هذه الجرائم ويفلت الجناة والمخطّطون من العقاب والمساءلة بسهولةٍ ويُسر، لا بل يحظى هؤلاء الجناة بحمايةٍ وغطاء من النظام السياسيِّ وأجهزته الأمنيّة والقضائيّة، تكاد فيها جريمة الاغتيال السياسيِّ تكون رسميّة. 

في العراق، تُمعن السلطات حتّى الآن في إهمال المطالب الشعبيّة ودعوات عوائل الضحايا لملاحقة قتلة العراقيين ومغتاليهم ومحاسبتهم، وتكتفي باعتقال أكباش الفداء المنتمين إلى الميليشيات الشيعيّة لتتخلّى عنهم بإرادتها متى شاءت، ولا تُقدِم على التقرُّب منهم إلّا بعد التأكد من موقف هذه الميليشيات من أتباعها المُباعين.

يأتي هذا بعد أن اكتفت بملء السجون بأعضاء الجماعات السنّية من الإرهابيّين الذين تمّت المساومة بهم على مستوياتٍ مختلفة، وفُتحت بحقّهم بورصات من الأموال لا يعرف أحدٌ حدًّا لها.

بعضُ عوائل المقتولين لأسباب سياسيُّة وكلّ زملائهم يعرفون القتلة الحقيقيّين الذين أمروا بتصفية أحبائهم، ويناشدون السلطات ملاحقتَهم ولا يملّون الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي ويطالبون بالقصاص، لكن دون جدوى. فالجناة يملكون صواريخ وطائرات مسيّرة وأجهزة مخابرات دوليّة، ولحى وعمائم ومنابر دينيّة وإمبراطوريّة من القنوات الفضائيّة والإذاعات والصحف تقيّد كلّ شيء «ضدّ مجهول»، ونظام أسّس لبيئةٍ منقطعة النظير في تسهيل الإفلات من العقاب في العراق.


هشام الهاشمي
العراق

SHARE